هشام جعيط

108

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

ذلك العصر ( 252 / 866 ) . وقد أشير إلى وجود رحبة بني تميم « 1 » في البصرة أيضا ، ورحبة القصابين كذلك « 2 » . وما يهمّنا أكثر هو ما ورد عند الطبري من إشارات متفرقة عن رحبة الكوفة . إنّ الإشارتين الواردتين عنده إلى المصطبة « 3 » تدلّان على أن هذه المنصة بناية ثابتة وأنّها قريبة من القصر ، لا على أنها تقع في الرّحبة وهو افتراض لا غير . أمّا الرّحبة فقد وقع التلميح إليها بكامل الوضوح عند دخول شبيب إلى الكوفة ( 77 / 696 ) ، لكن دون أي تحديد لموقعها . وخلافا لذلك ، يتوفر لدينا نص ينير لنا السبيل جيدا بالنسبة لعصر لاحق « 4 » ( 159 / 776 ) . فماذا يقول ؟ يفيدنا أنّ الرّحبة التي تسمّى رحبة المسجد ، كانت موجودة خارج المسجد ، لكن بعد الأبواب مباشرة ( ولعلها امتدت آنذاك إلى الجانب الغربي ، لأننا لا نتصور أبوابا تفتح على حائط القبلة ) . كانت تستخدم كمصلى ، بمعنى أنها كانت موضعا للصلاة في الهواء الطلق . فظهرت بمظهر المكان الملحق ، وكامتداد للمسجد . ومع ذلك ، فقد بقيت مستقلة خارجية عن المسجد حقا . لم يكن لأحد حق إدخال رحائله إليها يوم الجمعة ، ما عدا عيسى بن موسى الذي أقلق من أجل هذا الأمر ، لكن لأسباب سياسية . ولا شك أن هذا النص يصوّر لنا فترة متأخرة ، وزمانا ضاق المسجد فيه كثيرا على السكان ، كما تغيرت فيه أمور عدّة في حياة الكوفة . والأرجح أن الرّحبة كانت ساحة واسعة في الأصل ، محيطة بالقصر والمسجد وكانت تقوم بدور غير واضح في بداية الأمر ، لكنها كانت لا محالة فضاء ضروريا للمرور بين المسجد وخطط القبائل البعيدة عنه . فالنص الذي بين أيدينا واضح وهو يذكر أن « أفواه السكك » كانت تبدأ حيث تنتهي الرّحبة « 5 » . هنا كانت تتقاطر أفواج الفرسان القادمين للصلاة ، من جهة المسجد . ولا شك أنهم كانوا يربطون بها أفراسهم قبل الدخول إلى المسجد ، ولعل سلوك عيسى بن موسى الذي ينمّ عن روح امتياز وتكبر ، أراد إحياء عمل قديم صار باليا بتطور الزمن . أما من جهة القصر ، علما بأنّ الرّحبة كانت تمتد إلى الجنوب الغربي ، فقد رجح المظهر العسكري السياسي ، ونشر جهاز الحكم مباهجه فيها . وعلى هذا ، يتمثل دور الرّحبة إجمالا في قطبين نفعيين جدا . ثم إن كفة المسجد رجحت بمرور الزمن ، فلم تبق سوى رحبة المسجد ، التي تحولت هي ذاتها إلى مسجد . إن المقارنة بمدينة بغداد في عصر المنصور ، سوف تخولنا مزيدا من التدقيق في وظيفة الرّحبة ، بحيث نتجاوز نص سيف . نجد في هذا المجال معلومات دقيقة عند اليعقوبي « 6 » ،

--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ج 5 ، ص 518 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 5 ، ص 506 . ( 3 ) الطبري ، التاريخ ، ج 6 ، ص 47 وج 5 ، ص 241 . أخطأ ماسينيون في المراجع . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 8 ، ص 122 . ( 5 ) الطبري ، ج 8 ، ص 122 ؛ وأنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 239 . ( 6 ) كتاب البلدان ، ص 240 . يبدو أنه كان للرّحبة موضع مركزي ، وأنها كانت محاطة دائريا وعن بعد دون شك ، -